ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني
273
مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )
قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ [ البقرة : 30 ] ، فأنزلها اللّه سبحانه في بدر ، فسفكوا ، ووقعوا فيما عابوا به ، انتهى كلامه رضي اللّه عنه . ولو لم تعترض الملائكة ما ابتليت بالسجود ، فلما علم الحق منها السعوف والعلو على آدم عليه السلام ، فأنزل بهذا العضال دواءا شافيا ، فأمرهم بالسجود ، فلمّا تحسّوا هذا الدواء حسوا برئوا من الزهو ، وعلموا أنه يفعل ما يريد ، وما ابتلوا به إلا عن إغضاب دقيق خفي لا يشعر به إلا الراسخون . وهكذا كل انتقام إلهي يقع بالظلم لا يكون إلا بعد إغضاب ، وتحصيل معرفة الإغضاب على غاية الاستقصاء حتى يجتنبوا عنه في غاية الصعوبة ، فإنه من علم الأسرار ما يعرفه كل أحد . وكان حذيفة اليماني صاحب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عالما به ، فلهذا سمّي بهذا الاسم : أي صاحب السرّ ، وليس علم أنفع منه في حق الأولياء ، ذكره رضي اللّه عنه في الباب الحادي والأربعين وثلاثمائة من « الفتوحات » . وكل ذلك من عدم العلم والكشف بحقائق الأمور وعدم الاطّلاع بأحكام القضاء والقدر . أما ترى اعترافها عليها السلام حين أعلمهم اللّه تعالى حقيقة الأمر أنها قالت : لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا [ البقرة : 32 ] . وأمّا قولهم : وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ [ الصافات : 164 ] فاعتراف منهم أن لهم حدود يقفون عندها ، ولا يتعدونها ، ولكن لا ندري أنه وقع هذا قبله أو بعده ، وترى أكمل الخلق وجودا ، وأعلمهم باللّه علما ، وكشفا ، وشهودا مع العلم العام التام ، فإنه صلى اللّه عليه وسلم علم علم الأولين والآخرين أنه يقول : « لا أدري ما يفعل بي ولا بكم » « 1 » هذا هو الأدب المطلوب ، والاعتناء الإلهي حفظه أن يطلق الكمال لنفسه ،
--> ( 1 ) تقدّم تخريجه .